فخر الدين الرازي
95
تفسير الرازي
الحجة الثالثة : * ( القرء ) * عبارة عن الجمع ، يقال : ما قرأت الناقة نسلاً قط ، أي ما جمعت في رحمها ولداً قط ومنه قول عمرو بن كلثوم : هجان اللون لم تقرأ جنينا ( c ) وقال الأخفش يقال : ما قرأت حيضة ، أي ما ضمت رحمها على حيضة ، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء ، وأقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب ، وسمي القرآن قرآناً لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه ، وقرأ القارئ أي جمع الحروف بعضها إلى بعض . إذا ثبت هذا فنقول : وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في البدن . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم ، لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم . قلنا : الدماء لا تجتمع في الرحم البتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم ، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً في الدم آخر الطهر ، إذ لو تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج ، فمن أولى الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره ، والآخر هو حال كمال الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين . الحجة الثالثة : أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه ، وهو أقل ما يسمى بالأقراء الثلاثة وهي الأطهار ، لأن الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض ، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه الآية وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره قدرة الحبس والمنع . الحجة الرابعة : أن ظاهر قوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) * يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن العهدة ، وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم ، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير ، إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض ، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة ، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل ، وكل ما كان كذلك لم يكن واجباً فأذن الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب